رعب "داعش" وصدمتها وتعطُّل الوعي العربي

يحيى العراقي

الصدمة والرعب أو (Shock & Awe) بحسب التعبير الأمريكي مصطلح تعاظم إنتشاره منذ العام 2003 حين وصف به الأمريكان ووزير دفاعهم دونالد رامسفيلد المرحلة الأولى من حملتهم الجوية المكثفة التي كانت تستهدف، بجانب تدمير جملة من المواقع الحيوية العراقية كمراكز القيادة والسيطرة والتحكم ونظم الإتصالات، خلق حالة من الشلل والعجز عن إلتقاط الأنفاس والقدرة على التفكير وبناء أي نوع من ردود الأفعال المدروسة والمنظمة على المستويين السوقي والتعبوي، مما يتيح للقوات الغازية المتقدمة على الأرض التحرك بحرية نحو الأهداف المرسومة.

شلُّ حواس وقوى الخصم وتشتيت إنتباهه وجهده هدف رئيسي لمختلف الإستراتيجيات والتكتيكات التي تتبناها الأطراف المتصارعة، هي لبًّ التكتيك المسمى بالحرب الصاعقة (Blitzkrieg) وثنائي الطائرة- الدبابة التي أتى بها جنرالات الرايخ الألماني الثالث في الحرب العالمية الثانية.

هذا المفهوم العسكري المهم ليس حديثاً تماماً، بل هو حاضر في أكثر من مفصل وتجربة في تاريخ الحروب، وقد كان للقائد العربي الإسلامي والصحابي الجليل خالد بن الوليد دور في إرساء أسسه ونشره، فقد كان من المبدعين في فهمه وتطبيقه من خلال حسن توظيفه لعنصر الحركية العالية (Mobility) لقوة الخيالة السريعة التي أجاد وأتقن أسلوب وتوقيت تعبئتها وزجها في المعركة في الأماكن واللحظات الحساسة والحاسمة.

تحرك تنظيم "داعش" الواسع والمفاجئ والصاعق بإتجاه المحافظات العراقية الذي بدأ في مدينة الموصل مساء يوم الإثنين 11 شعبان 1435 هجرية الموافق 9 حزيران 2014 ميلادية والذي كانت قد إنطلقت مقدماته الأولية منذ فجر يوم الخميس 5 حزيران 2014 بغارة مخادعة لمجاميع من التنظيم بإتجاه مدينة سامراء.. وما أعقب ذلك من قرارات وتصرفات.. أصاب الكثيرين بالصدمة، وكان من هؤلاء نخبة من المثقفين وأصحاب الرأي والتأثير والنفوذ في عالمنا وحملة القلم.

الحالة لم تقف عند هذا الحد بل تطورت لدى البعض من هؤلاء إلى جمود في الوعي وإلى تمركزه حول نقطة معينة هي "داعش" ونسيان كل ما سواها في نموذج للزهايمر السياسي، وقد إنعكس هذا الأمر على النشاط في المجال الإعلامي، مما أضاف مشكلة جديدة كبرى جديدة إلى ما يزخر به هذا القطاع من مشاكل.

اليوم نكاد لا نسمع حديث عن أية مشاكل وأزمات في واقعنا سوى أزمة "داعش" وما ترتكبه من فضائع وكأن الدنيا بدأت بها وستنتهي عندها، ولا شيء بين الإثنين سواها، وكأنها شيطان هذا الكون الوحيد، والعياذ بالله.

نكاد أيضاً لا نجد من يفكر ويتحدث بما واجهنا ولا زلنا نواجه من مآسي ومشاكل ومعضلات بعيداً عن "داعش".

يكاد لا أحد يفكر بما سيحصل بعد أن تنتهي هذه الأزمة، ومن سيملأ فراغ قوة "داعش" ودورها الذي تجادل على أدائه، ومن سيحصد ثمار ضعفها أو إختفائها وكيف سينعكس ذلك على مآسينا ومشاكلنا؟

ماذا سيحصل وكيف سنتصرف إن طال الصراع مع "داعش" وإمتد ليس لسنوات بل لعقود؟

كيف ستكون سطوة أمريكا والكيان الصهيوني وإيران، وأذنابهم، إن تم القضاء على "داعش"؟ ألم نكن نعاني لعقود إن لم يكن لقرون ولا نزال من أطماع وإجرام إيران وأمريكا والكيان الصهيوني بحقنا ومن مخططاتهم الإمبريالية الإستعمارية ضدنا؟ فأين ذهب الوعي بهذه القضايا والكلام عنها وعن مخططات هؤلاء الجهنمية التدميرية التي رسموها لنا وعن المعاناة من جرائمهم حتى غدا وجود هؤلاء إلى جانبنا لا يستفزنا أو في الأقل لا نأبه له إن لم نكن مرحبين ومطالبين ومحتفلين به؟!

كيف يمكن أن نكون بهذه السذاجة والسطحية الفكرية والسياسية في فهم واقعنا السياسي وواقع العلاقات الدولية من حولنا وكيفية إدارة القضايا فيه، ثم بعد هذا نطمح بالتحرر والنجاح في صراعاتنا ومنافساتنا؟!

قبل أيام قرأت مقالاً لضابط سابق وكاتب مرموق في القضايا الإستراتيجية (ممن لم تُخدش وطنيتهم وإخلاصهم) يبدو فيه وكأنه يزفر حسرة على سوء التدابير الجارية ويحاول أن يقدم نصائح (لمن يهمه الأمر) حول كيفية رصِّ صفوف الساسة العراقيين والطبقة السياسية العراقية التي إنغمست حتى أطراف شعر رأسها بـأوحال (العملية السياسية) الطافحة بالقاذورات من الخونة الفاسدين المجرمين أذناب الإجرام الدولي والإقليمي ولاعقي أحذيته .. نصائح يبدو وكأن هدفها تحسين أداء هؤلاء في مواجهة (داعش)!

لا أعرف كيف يمكن لكتاب وأساتذة أفاضل، أمثال هذا الرجل، أن يضربوا صفحاً عن فضائع الحالة المأساوية المفجعة التي عشناها ولازلنا نعيشها حتى اللحظة (بعيداً عن داعش ومشاكلها) ويركزوا حواسهم وإمكاناتهم على ـ"داعش" فقط ويجهدوا أنفسهم بكيفية معالجتها، منفصلة عن كل ما سواها، والقبول في هذا الإطار بالتعاون مع أعتى مجرمي الحاضر والأمس بشقيه القريب والبعيد الآكلين لحومنا والوالغين بدمائنا والمعتدين على أعراضنا ومقدراتنا إرضاءً لأسيادهم وتنفيذاً لمشاريعهم بإخلاء الأرض منا ومن فكر الأمة الأصيل، الذي نحمل، لتسليمها لأولئك، يبسطون هيمنتهم وسيطرتهم عليها كما تفاخروا بذلك علناً مؤخراً حين صرَّحوا بوصول نفوذهم إلى هذا البحر وذلك المضيق!

تساءل السيد الكاتب المحترم في مقاله: فهل حقق العراقيون هذا الإجماع؟

هل يمكن لنا أن نتوقع إجماعاً وطنياً حقيقياً مثمراً في ظل هيمنة إيران وأتباعها ومشروعها على الأمور في العراق وفي المنطقة؟

وأي نوع من الإجماع العراقي يمكن أن يرتجى مع بقاء هذه الهيمنة الإيرانية الجهنمية؟

نعم "داعش" كيان وحركة عليها ما عليها مآخذ وجرائم، ولكن الجرائم والجحيم في العراق لم يبدأ منها بل هو انتهى اليها فلماذا القفز على كل الأخطار والجرائم التي سبقت ورافقت وجود "داعش" ولازلنا نواجهها كل يوم؟!

من سيملئ فراغ القوة الذي سيحدث بضعف واختفاء "داعش"؟

هل هي القوى الطائفية العميلة لإيران أم قوى أخرى غير موجودة على ارض الواقع؟

ألا يجدر بنا كعراقيين وكعرب أصلاء رافضين للهيمنة الإيرانية، ولكل هيمنة أجنبية، أن ننبه العالم الى اننا لا نشكو فقط من مشكلة اسمها "داعش" كما الآخرين، بل أن مشكلتنا الأولى والأهم والأخطر هي العدوان والهيمنة الايرانية الإجرامية المفضوحة والمعروفة؟ وأيضاً العدوان الصهيوني على أهلنا في فلسطين والذي تمتد آثاره، بشكل أو بآخر، الينا باعتبارنا عرباً ومسلمين وخندقاً خلفياً وعمقاً لأهلنا في فلسطين، ثم بعد هذا وذاك تأتي مشكلة "داعش" في الاهمية والترتيب بالنسبة لنا؟!

مالم نستغل هذه الفرصة، انتباه العالم بالأزمة في بلدنا، لنثير اهتمامه بالإجرام الايراني وننتزع منه موقفاً واضحاً ضد هذا الاجرام فإننا نكون قد ضيَّعنا فرصة تاريخية هباءً، وذلك بلاشك سيكون خيانة وغباء مجتمعين، معاً، والعياذ بالله منهما!

كيف يمكن لأحد تناسي مواقف هؤلاء ونهجهم وجرائمهم ودماء ضحاياهم ليستطيع إمساك القلم والقفز على كل ذلك وكتابة هكذا نصائح للمجرمين لتحسين أدائهم والتشجيع على الإلتحاق بهم لتقويتهم، وتجاوز كل ما هو معروف عن نواياهم وخططهم الإمبراطورية الخبيثة وما إرتكبوه، ولا زالوا يرتكبونه، من جرائم بحقنا؟!

كيف يمكن لنا أن ننسى جرائم الأميركان قبل الغزو في العام 2003 وأثنائه وما بعده، وما رافق ذلك من قرارات جائرة سلَّمت البلد بكل مقدراته لقوى سياسية معروفة؟!

كيف لأحد سويٍ، منا، لديه أدنى قدر من الوعي بذاته وبمصالحه يمكن أن يذهب للتعاون مع أعداء له لهم هذا المستوى الشرس من العدائية والخبث والخطورة والسوابق الإجرامية بحقه، تحت اي ظرف من الظروف، قافزاً فوق محيط من الفواصل الفكرية والثقافية والعقائدية الممتدة تاريخياً التي تفصل بينه وبينهم؟!

لا أظن أن أي صدمة، ومهما كانت شدتها، يمكن لها أن تسبب هذا المستوى الكبير من الإضطراب في التفكير، خصوصاً مع أشخاص ذوي مؤهلات عالية عركوا الحياة وعركتهم وخاضوا أنواع التجارب وواجهوا شتى أنواع المصاعب والأزمات!

لا يمكن لتنظيم يرتبط بأوساط الأمة وبتراثها بروابط عديدة، على مستوى الشعارات المرفوعة وعلى مستوى التنظيم والأفراد، وبرغم الخلافات والاختلافات العميقة، أن تدفعنا خلافاتنا واختلافاتنا العميقة معه وسخطنا عليه وهول صدمتنا من مواقفه وتصرفاته (ومهما كان حجم كل ذلك) إلى هذا المستوى من ردة الفعل الإنفعالية لنندفع كالبلهاء نحو من لا زالت خناجرهم وسكاكينهم و(دريلاتهم) تفعل فعلها اللئيم في أجسادنا!

لا تقل بلادة هكذا تصرفات عن ظن البعض أن وحشية هؤلاء الأعداء ضدنا إنما هي حالة إستثنائية نابعة من شطط أفراد ومجموعات متطرفة فيهم، وليست نهجاً عاماً لهم ينبع من مشروع إمبراطوري عدواني طويل الأمد متعدد الصفحات ينظمون تحركاتهم وتصرفاتهم على أساسه، كما أثبتت ذلك عشرات ومئات التجارب العملية المتتالية على أرض الواقع التي حفرت آثارها العميقة فينا.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,656,176

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"