تشكيل مرجعية دينية للسنة في #العراق… محاولات فاشلة

مثنى عبدالله

ليست هي المرة الأولى التي تجري فيها محاولات صنع مرجعية دينية سنية في العراق. كانت آخر تلك المحاولات في عشرينيات القرن المنصرم، عندما أراد الإنكليز آنذاك جمع السنة في العراق تحت لواء عبدالرحمن النقيب، أول رئيس وزراء للدولة العراقية المعاصرة.

 

الغريب أن كل من يقع عليه الاختيار هم من العاملين في الحقل السياسي وليس الديني، وأن كل محاولات الاختيار كانت تقوم بها السلطة وليس أبناء المذهب. صحيح أن عبدالرحمن النقيب رجل علم ودين، ومن عائلة ذات مكانة دينية مرموقة في العراق، لكن الإنكليز هم من حاولوا تنصيبه مرجعاً لأهل السنة وليس أهل السنة أنفسهم، وقد وقع اختيارهم عليه لأنه كان محباً للإنكليز وليس عدوا لهم، وهو الذي كان يفضل أن يبقى العراق تحت الانتداب الإنكليزي.

هذه المحاولات بقيت مستمرة في العهود السياسية التي تلت، وبقيت السلطات تبحث عمن هو قريب منها كي تنوط به هذه المهمة، ولعل السبب في ذلك هو أن أبناء هذا المذهب ليسوا مهتمين أصلا بموضوع المرجعية الدينية، على اعتبار أن النصوص الدينية المنزَّلة، والسنة النبوية كافية لفهم تعاليم الدين، كما أن صنع مرجعية دينية لأهل السنة من قبل السلطات لم يكن عليه فيتو من الجمهور، لأنه ليس هنالك من حاجز نفسي أو شرعي بينهم وبين السلطات الحاكمة.

هم كانوا يرون أن الدولة العراقية ليست دولة دينية، وبالتالي فإن السلطات ليست محسوبة على هذا المذهب أو تلك الطائفة، على العكس من الشيعة الذين حرَّمت عليهم مرجعياتهم الدينية الانخراط في السلطة، إلا في حالة استلامهم الحكم وبوجود قائد جعفري، عملا بالشعار الذي يقول «لا ولي إلا علي ونريد قائد جعفري»، لذا كان موقف جمهورهم وعلمائهم معارضاً تماماً لأي رجل دين يقترب من السلطة، حتى لو كان محمياً بالسلطة فإنه يبقى منبوذاً لديهم وتتم محاربته وتسقيطه دينياً واجتماعياً، إضافة إلى أن اختيار المرجعية الدينية لديهم يجري وفق ضوابط معينة.

كما نعتقد أن هنالك سبباً آخر ألا وهو، أن الأقلية هي من يبحث عن الرأس الديني أو الطائفي، بينما الاكثرية لا تولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً. الأقليات الدينية والإثنية والطائفية دائما لديها شعور بأنها مستهدفة، لذلك تبحث عمن يجمع قواها ويؤطر جهدها وينسق تحركاتها كي تبقى متماسكة.

أما بعد عام 2003 فقد اختلف الوضع في العراق تماماً، سواء بالنسبة لأهل السنة أو الشيعة. وبرز العامل الطائفي بصورة حاسمة في الحياة السياسية وحتى الاجتماعية. أنت لديك مرجعية دينية أذن أنت موجود. صحيح أن الزعامات القبلية برزت في أوساط السنة أكثر من أي وقت مضى، وحاولت الجمع بين العمل السياسي والزعامة القبلية، لكن العمل السياسي في العراق بعد هذه الفترة بات مطلوباً أن يكون بمباركة دينية، كي يكتسب شرعية القبول من الطرف الآخر، لأن الوضع السائد بات يشرعن وجود مجتمعات ومكونات، وليس مجتمعاً واحدا.

إذن بما أن الطرف الآخر لديه مرجعية دينية، لابد للطرف الاول أن تكون له مرجعية دينية أيضا. وهذا التوجه لم يكن محصورا في أوساط العوام من السنة، بل بات مطلباً أميركياً أيضاً. كان الحاكم الأميركي بريمر يقول بأن الشيعة لديهم عنوان نذهب إليه ونتحدث معه، يقصد المرجعيات الدينية، بينما السنة ليس لديهم هذه اللافتة الدينية. وبالتالي عملت الإدارة الأميركية ومن كان يمثلها في العراق على تشكيل هذه المرجعية.

لقد قاموا بالتنسيق أولا مع الزعامات القبلية لترشيح من يرونه مناسبا، ولأن القوم اختلفوا في هذا الأمر وكل يريده حصرياً من قبيلته، اتجهوا نحو فكرة أن الحزب الإسلامي العراقي هو المرجعية السنية، وقد ساعدهم في هذه المسألة أن الاخير هو أحد أقطاب العملية السياسية، وأن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي باركت الأمر وشجعت عليه.

ثم قام الحزب بعملية واسعة في أوساط السنة لتأكيد دوره المرجعي الديني، حيث سيطر بشكل كبير على المساجد، وقام بتعيين الائمة والخطباء حصرياً من أعضائه، وحاول إقصاء كل من يعارضه من علماء الدين الآخرين.

وكما كان الشيعة يرفضون اقتراب أي رجل دين منهم من السلطة لأنها ليست شرعية بمنظورهم، انتقل الدور نفسه إلى السنة فسقط الحزب الاسلامي العراقي في نظر الكثير منهم، وباتوا يرون فيه تابعا لسلطة محتل غير شرعية، بل اتهموه بالخيانة والمتاجرة باسمهم في سوق المصالح السياسية.

كما نجح الأميركان بتدجين الوقف السني وحاولوا إدراجه كمرجعية دينية، فتجرأ هذا الأخير على التجاوز ومحاربة علماء دين مرموقين وهيئات دينية نزيهة ومعتبرة.

وكان الهدف الأميركي من كل هذه التحركات هو تعزيز الطائفية، وإسباغ الشرعية الدينية على الزعامات السياسية التي وضعها المحتل في قمة هرم السلطة السياسية، بغية الاستمرار في خطف العراق وشعبه وتكريسهما في خدمة مصالحهم.

ومع استمرار الفشل الذريع في تشكيل مرجعية دينية للسنة على غرار مرجعية الشيعة الدينية، تكاثرت الهيئات والشخصيات السنية التي تدعي المرجعية الدينية، مثل المجمع الفقهي العراقي، ودار الإفتاء لأهل السنة والجماعة، وجماعة علماء العراق، ودار إفتاء الديار العراقية.

وقد اختار البعض من هؤلاء الارتماء التام في أحضان السلطة. بعضهم اختار أن يكون تابعا لرئيس الوزراء العراقي السابق، مثل الشيخ مهدي الصميدعي وخالد الملا، اللذين لم يدخرا جهدا في التهليل للعملية السياسية، ومباركة كل خطوات نوري المالكي. وبعضهم الآخر اختار أن يكون تابعا للزعماء السنة في العملية السياسية، فباتوا يُفتون في تشجيع الفدرالية والتقسيم. لكن الجميع اشتركوا في قاسم واحد هو التخلي العملي عن نصرة المظلومين، والاكتفاء بالبيانات الباهتة والإدانات الجوفاء لما يحصل من ظلم واضطهاد.

ويبدو أن السلطة تتجه اليوم لعقد لواء المرجعية الدينية للسنة لرئيس الوقف الحالي عبداللطيف هميم، الذي بزَّ كل من سبقه في التوسل للسلطات والتسبيح بحمدها، وما اصطحابه من قبل وزير الخارجية في زيارته إلى بعض الدول العربية، الا محاولة لأخذ تزكية عربية له لشغل هذا الموقع!

هناك حقيقة حية لدى الشعب العراقي هو مقته للمتلونين والمسبّحين والمهللين، حتى إن غيروا موقفهم ومالوا إلى الجهة التي يحبها، لكنه يبقى يحترم الباقين على عهدهم حتى إن كانوا في الجهة التي يكره. لذا ستفشل كل محاولات البعض تنصيب نفسه مرجعا للسنة، كي يداهن السلطة ويعطيها عاملاً مساعداً للادعاء بأنها سلطة وطنية تمثل الجميع، مقابل تسنم مناصب زائفة وعاجزة عن أن تكون في خدمة العراق وشعبه.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,656,489

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"