صحيح أن العالم يعيش في الوقت الحاضر جوا مشحونا بصراعات ونزاعات كثير منها مسلح وقد تتسبب بحروب أوسع تدخل فيها قوى من خارج مناطق النزاع مما يفتح أبواب الاحتمالات على مصاريعها لحصول مواجهة دولية لا يمكن التكهن بنهاية لها، وصحيح أيضا أن الحرب العراقية الإيرانية وضعت أوزارها منذ أكثر من ربع قرن بثلاث سنوات، مما جعل من أحداثها أحاديث يتسامر البعض بها ويحللها آخرون ليستنبطوا منها الدروس والعبر، ويتعامل معها طرف ثالث كوقائع تاريخية أصبحت في ذمة متاحف تاريخ الحروب الكبرى بكل المقاييس، ولكن ما رافقها من خرق للقانون الدولي الإنساني وخاصة فيما يتصل بتعذيب الأسرى أو الذهاب أبعد من ذلك بقتلهم بصورة فردية أو جماعية، ما كان يجب أن تمر عليه المنظمات الحقوقية والإنسانية وخاصة اللجنة الدولية للصليب الأحمر مرورا عابرا بل ربما تجاهلته متعمدة لدوافع سياسية ترتبط بخطط الدول الكبرى لتسويق إيران كطرف دولي مرغوب فيه ومطلوب ودّه في تعاون سياسي واقتصادي وأمني متعدد الصفحات والمحاور.
بين آونة وأخرى تتفق أذهان بعض من يُطلق عليم وصف "نشطاء" عن إثارة قضية إنسانية مشروعة وقعت هنا أو هناك في حقب زمنية مختلفة بعضها يعود لأكثر من قرن، ويطالب هؤلاء الناشطون بفتح ملفاتها والتحقيق في دقائق تفاصيلها ومجرياتها لتحديد المسؤوليات الجنائية والأخلاقية فيها، بمعنى أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم حتى لو مر عليها زمن طويل من إقرار حقائق للتاريخ ومن أجل تجنب الوقوع في أمثالها مستقبلا، وليس من أجل محاكمة الجناة الذين غابوا عن المسرح منذ زمن بعيد على أهمية هذا الأمر.
هناك أمثلة كثيرة لأحداث وقعت منذ زمن بعيد، كثير منها مبالغ فيه وبعضها يلفه غموض كبير، وبعضها ربما لم يحصل أصلا، ولكنها لم تخرج من ذاكرة أطراف ترى من مصلحتها إثارة قضية ما لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية من خلال ابتزاز الدول التي ورثت نظم الحكم التي تتهم بارتكاب تلك الجرائم، كما هو حاصل في ملف ما يسمى بإبادة الأرمن من قبل تركيا، أو فيما يسمى بمحرقة اليهود من قبل الحكم النازي، وهناك الكثير من الوقائع التي عاشتها الشعوب المكافحة من أجل استقلالها من الاستعمار وكل أشكال الهيمنة الخارجية والعنصرية كما حصل في الاتحاد السوفيتي السابق مع المسلمين في جمهوريات القوقاز أو كما حصل في فلسطين من جانب تحالف الشر الدولي، وكذلك في فيتنام وأفغانستان والعراق من جانب الولايات المتحدة، وقبل ذلك ما تعرض له زنوج أميركا من حرب إبادة واضطهاد استنادا إلى تشريعات كانت سارية المفعول حتى وقت قريب، أو ما تعرضت له شعوب أفريقيا على أيدي الدول الاستعمارية الأوربية، علما بأن كثيرا من تفاصيل تلك الأحداث والتعامل معها تم على أساس الثقة بذاكرة الشعوب.
فلماذا تعاملت المنظمات الحقوقية والإنسانية بهذا الشكل الانتقائي والمعيب؟ وأغفلت عن عمد جرائم واضحة وضوح الشمس ارتكبتها إيران ضد الأسرى العراقيين في جبهات القتال أو في معسكرات الأسر وخاصة ما حصل في معسكر كركان يوم 10/10/1984 وراح ضحيته عدد من الأسرى العراقيين عندما أطلقت عليهم الحراسات الإيرانية النار من دون أدنى اعتبار لوجود وفد الصليب الأحمر الذي وثق الجريمة، ولكن قرارا بإدانة الجانب الإيراني لم يتخذ من أية جهة دولية بما في ذلك الصليب الأحمر الذي اكتفى بالحديث عن الواقعة من دون إدانة الجريمة، وأرسلت الأمم المتحدة بعثة برئاسة الميجر جنرال الفنزويلي رافائيل أنجل فالي هورتا بناء على طلب الحكومة العراقية، لأن الأمين العام الأسبق خافير بيريز ديكويلار لم يحرك ساكنا من تلقاء نفسه، ومع كل النتائج المخيبة لأمال الوفد عن السلوك الإيراني مع الأسرى، لم تغادر المنظمة الدولية "حيادها المزعوم" بين الحق والباطل.
ويأتي اعتراف النائب الإيراني نادر قاضي بور بإشرافه على قتل أكثر من 700 أسير عراقي أثناء الحرب العراقية الإيرانية ليؤكد النهج العدواني للنظام الذي أقامه الخميني عام 1979 وانتهاكاته المتكررة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبها، هذا غير ما كان العراق قد ثبته في وثائق رسمية للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وليثبت أن تسيس القضايا الإنسانية صار وكما كان على الدوام في ظل النظام الدولي القائم على القطبية الثنائية يعكس حالة من النفاق السياسي والتعامل بانتقائية مع قضايا شعوب أسيا وأفريقيا على أنها شعوب من الدرجة الثانية أو الثالثة وربما أقل شأنا من ذلك لأن دمها ليس من الدم الأزرق كما هو شأن الشعوب الأوربية.
لقد كان ظننا أن اعتراف قاضي بور لن يكون جمرة تلقى في الماء فتنطفي بهذه السرعة من دون أن تترك تداعيات على موقف الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإنسانية والعفو الدولية ووزارة خارجية الولايات المتحدة التي جعلت من نفسها شاقولا يحدد من يلتزم بحقوق الإنسان ومن يخرقها ونصبت نفسها قاضيا يصدر أحكام البراءة والإدانة في هذا المجال ويمنح شهادات حسن السلوك على أسس تضعها بنفسها، ولكن هذا العالم يعاني من انحراف أخلاقي وسلوكي بسبب سيطرة الدول الكبرى على المفاصل الحيوية في عناصر القوة العسكرية ومصادر الثروة والنظر إلى مصالحها حتى لو سحقت الآخرين.
هذه هي قوانين العلاقات الدولية، ومن يراهن على خلاف ذلك فهو وحده من يتحمل تبعات قصر النظر السياسي الذي يعاني منه، عالم اليوم كما هو في الماضي يحكمه الأقوياء، والقوة لا تعني القوة المادية لوحدها كما كان حال الاتحاد السوفيتي السابق، وإنما تتطلب إرادة سياسية ووعيا لكيفية التصرف في أدواتها في الوقت المناسب، والأقوياء ليسوا على استعداد لنزع عناصر قوتهم لصالح الضعفاء، ما يعطي القوة للدول الصغيرة لتكافئ بها قوى البغي في عالم عرض القوة، هي الإرادة السياسية ووضوح الرؤيا.