هذا السؤال معقد جداً، ولا يمكن الإجابة عنه بسهولة، لأنه – بتقديري - سر عموم الربكة الواضحة في المشهد العراقي الآن!
وقبل الخوض في محاولة الرد عن هذا التساؤل ينبغي التذكير بأن ثلث مساحة العراق تقريباً ما زالت بيد تنظيم الدولة "داعش"، وبالتالي هذه المناطق غير معنية بالكلام، وعليه يمكن تحديد أبرز الجهات الحاكمة في العراق، وهما - في الحقيقة - طرفان رئيسيان، وعدة أطراف ثانوية.
أما الطرفان الرئيسيان فهما:-
أولاً: السفير الأميركي ستيوارت جونز: لا شك أن الولايات المتحدة كانت – وما زالت – اللاعب الأبرز، في العراق، لأنها هي التي صممت المشهد العراقي بحسب ما تقتضيه مصالحها منذ أن وطئت أقدام جنودها أرض الرافدين، وعليه فإن محاولة التقليل من أهمية الدور الأميركي لا يُعد قراءة دقيقة، لأن أميركا - التي قدمت خسائر بشرية ومادية باهظة - لا يمكن أن تكون قد قدمتها خالصة لوجه الله تعالى، وإنما هي تضحيات لأهداف إستراتيجية، ولا شك أن المشاركة الأميركية في صنع القرار العراقي بما يخدم تلك الإستراتيجية يُعد جزءاً من ضريبة التغيير المزعوم، الذي حصل في العراق على يد الأميركيين.
ثانياً: السفير الإيراني حسن دنائي فر: إيران هي اللاعب البارز الثاني في العراق، وهناك من يقول إن إيران هي اللاعب الأول، وهذا الكلام – ربما- فيه بعض المصداقية.
حينما نتابع الانتشار العلني للحرس الثوري الإيراني في مدن التماس أو القتال، ومنها صلاح الدين، ومناطق حزام بغداد، وديالى، والأنبار، كل هذه التدخلات العسكرية العلنية جعلت اللاعب الإيراني مؤثراً في صنع القرار العراقي، لأن زعماء بغداد مقتنعون أنه لولا التواجد الإيراني - الدبلوماسي والعسكري - فإنهم سيكونون في منطقة الخطر.
أما الأطراف الثانوية، التابعة في حقيقتها لإيران، فهي:
1. الحشد الشعبي: وهو قوة عسكرية مدعومة عسكرياً وسياسياً ودينياً بفتوى المرجع الشيعي علي السيستاني، الذي أفتى بالجهاد الكفائي بعد سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل، بحجة الحفاظ على "المقدسات".
والحشد قوة مليشياوية تضم عناصر مليشيات بدر والعصائب وغيرها، ومرتبطة بالحكومة عبر (هيئة الحشد الشعبي) التابعة لمكتب العبادي، وتُعد اليوم القوة العسكرية الأولى في العراق. لكن السؤال الملح هنا، هل قوات الحشد الشعبية تأتمر بأوامر رئيس الحكومة؟!
أظن أن الجواب لا يحتاج إلى مزيد من الذكاء والتحليل، ذلك لأن هذه المليشيات تأتمر بأوامر قاسم سليماني، وهادي العامري زعيم منظمة بدر، وكذلك بأوامر بقية زعماء المليشيات، والعبادي خارج أصول اللعبة.
2. نائب رئيس الجمهورية المقال نوري المالكي: يتصور بعض المتابعين أن مرحلة المالكي قد انتهت، وهذا الكلام غير دقيق، لأن المالكي ما زال يمتلك المنصب والمال والقوة، وهو اليوم نائب رئيس الجمهورية، رغم قرار إقالته، وأعتقد أنه متواجد الآن بشكل كبير في صنع القرار السياسي، لأنه زعيم حزب الدعوة الحاكم، الذي ينتمي إليه حيدر العبادي، وبالتالي لا يمكن للعبادي أن يخرج عن الأطر العامة لسياسات الحزب.
3. رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي: أعتقد أن العبادي أضعف الحلقات الحاكمة في العراق اليوم، رغم محاولاته الإصلاحية، التي لم تغير شيئاً من الواقع المتردي.
ويمكننا ملاحظة أن العراقيين انقسموا إلى فريقين فيما يتعلق بتقييم أداء، أو جدية العبادي في التغيير:
أ. الفريق الأول: يرى أصحابه أن العبادي سائر على ذات النهج الذي سلكه سلفه المالكي، وأن كل ما في الأمر أن القضية هي تبادل للأدوار لا أكثر، ولا أقل.
ب. الفريق الثاني: يرى أصحابه أن العبادي جاد في قضية التغيير والإصلاح، وعدم سلوك ذات النهج العدائي الاقصائي، الذي سار عليه المالكي، إلا أن الضغوط التي تمارس عليه من قبل التحالف الوطني الشيعي هي التي تمنعه من التغيير، أو السير في سبيل القضاء على النهج الطائفي والاقصائي الموجود حالياً في الدولة.
أعتقد أن ظن الفريق الثاني غير صائب لأن السياسات الداخلية والخارجية لم تتغير، والذي تبدل هو الخطاب والوجوه فقط.
لا يمكن للعراق أن ينهض من غير قوى عراقية نقية ولائها الأول والأخير للبلاد، ومصلحتها الحقيقية هي مصلحة الوطن والمواطن، وحينها يمكن أن تكون هذه القوى قادرة على قيادة البلاد نحو الطريق الصحيح.