ميليشيات متناحرة وسط الغابة!‏

جاسم الشمري

من المهازل الواضحة في العراق اليوم أكذوبة الدستور، وتطبيقه بصورة انتقائية رغم وضوح ‏العديد من مواده، ومنها ما يتعلق بالميليشيات، وهذا ما أثبتته تجارب السنوات العشر المريرة ‏الماضية.‏

الدستور كان واضحاً في قضية الميليشيات، وقد ذكرت المادة (9) منه "أولاً:ـ  ب ـ يحظر تكوين ‏ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة".‏

وهذه المادة – كغيرها من المواد الدستورية- أُجهضت وفقاً للمصالح الحزبية والعشائرية، ‏وصارت مجرد حبر على ورق، وأصبحت الميليشيات هي المتحكم الفعلي في عموم المشهد ‏السياسي والأمني. وحتى لا يقال إننا نتكلم بالعواطف دون الوقائع، فإننا سنترك موضوع ‏ميليشيات الحشد الشعبي، وتواجدها في مناطق حزام بغداد، وصلاح الدين والمناطق المحاذية ‏للفلوجة، وبقية مناطق المواجهات الفعلية والمتوقعة مع تنظيم الدولة "داعش"، وسنتحدث عن ‏جرائم الميليشيات اليومية في محافظة ديالى ( 45 كم شمال شرق بغداد)، التي يذبح أهلها ‏بصمت، وتستباح دمائهم بدم بارد.‏

ديالى تنحر- الآن- على يد ميليشيات رضعت الإرهاب، وشبَّت على القتل والتخريب، ‏وعناصرها يعبثون بالأمن، ولا يحترمون القانون، بل هم فوق القانون، ومدعومون من قيادات ‏تنفيذية وعسكرية في المحافظة، ولا يقيدهم دين أو مبدأ، وبكلمة بسيطة هم مجرمون محترفون، ‏وعصابات منظمة تقتل الأبرياء بذريعة مقاتلة الإرهاب!‏

ولا أدري هل جرائم الميليشيات في عموم العراق هي العاب بهلوانية، وبرامج ترفيهية للمواطنين، ‏أم جرائم إرهابية بشعة تنفذ في وضح النهار؟!‏

الإرهاب الذي تمارسه الميليشيات في ديالى اليوم، لا يمكن السكوت عليه، لأنه تجاوز كل ‏التوقعات!‏

فقبل أسبوع تقريباً وقع انفجار إرهابي في مدينة الخالص ذات الأغلبية الشيعية ( 5 كم شمال ‏مركز المحافظة)، ولمن لا يعرف الخالص فإنها مقفلة، ومحاطة بسياج أمني، ومحرمة على ‏الغرباء، وعليه فإن منْ نفذ الجريمة هم من المدينة، ولديهم مصلحة في زعزعة الأمن، وهم – ‏ربما - بعض المسؤولين المحليين في الخالص، الذين أقيلوا من مناصبهم نتيجة الضغوط الشعبية ‏الرافضة لهم لأنهم لم يقدموا شيئاً ملموساً لأهلها.‏

بعد تفجير الخالص بدأ الخوف والرعب ينتشران لدى سكان القرى والمناطق المجاورة لأن ‏التجربة علمتهم أنهم - وبعد كل انفجار - يكونون ضحية لموجة من عمليات القصف ‏الصاروخي، والاعتقالات العشوائية والاغتيالات.‏

وفعلاً قبل يومين أطلقت الميليشيات المتمركزة في الخالص وغيرها عشرات الصواريخ على ‏أحياء: هبهب، والكاطون، والسادة، والأسود، وجرف الملح، وغيرها، وراح ضحيتها أكثر من ‏‏(30) شهيداً وعشرات الجرحى!‏

تلك الميليشيات ما زالت ترتكب - وبصورة علنية ويومية - أبشع جرائم القتل والاختطاف ‏والاعتقال والابتزاز في عموم المحافظة، وسبق أن ارتكبت سلسلة عمليات حرق ونهب لممتلكات ‏أهالي المقدادية النازحين بسبب العمليات العسكرية، وبعد سيطرت الميليشيات على المدن - إِثْر  ‏معارك محدودة مع مقاتلي تنظيم الدولة " داعش" - استغلت تلك الميليشيات الفراغ الأمني فنهبت ‏وسرقت ما خف وزنه وغلا ثمنه، وحرقت منازل المهجرين، وبساتينهم - في قرى:( شاقراق، ‏والعالي، اسيود، منطقة الصدور، وقرية جزيرة وغيرها) – وتلك البساتين هي المورد الرئيسي ‏لغالبية تلك العوائل!‏

هذه الأفعال الإجرامية المستمرة تثبت حقداً وكراهية واستهتاراً يطال المدنيين العزل وممتلكاتهم، ‏وكأنها عمليات إبادة جماعية، وتصفية مدروسة لكل معاني الحياة.‏

التناحر "الميليشياوي" في ديالى - وتحديداً في الخالص والمقدادية - هو جزء من الربكة الأمنية ‏الواضحة في المدينة، وذلك لأن غالبية الأطراف الحاكمة الفاعلة في المحافظة تنتمي لميليشيات ‏معروفة، وهنالك اليوم تناحر واضح بين تيارين كبيرين من الميليشيات في الخالص وغيرها، ‏وبالتالي هنالك تضارب مصالح "ميليشياوية" يُهدد السلم الأهلي، ويُنذر بحرب دموية، وإرهاب ‏يحرق الأخضر واليابس!‏

المثير للسخرية أن الحكومة المحلية في ديالى غائبة عن ممارسة دورها في حماية المدنيين، بل ‏هي جزء من مشكلة المحافظة، وغالبية المسؤولين يديرون العديد من الملفات الخطيرة، والخاسر ‏الأكبر المواطن المدني الذي آثر السلامة، ورغم ذلك لاحقته الميليشيات في عقر داره!‏

فأين الدولة المدنية التي تحدث عنها دستور "العراق الجديد"؟!‏

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,656,086

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"