عذراً يا عراق!‏

جاسم الشمري

في القلب أمل، ممزوج بالألم، وفرحة مخلوطة بالأسى، وأرواح أرهقتها الغربة، ‏وتطاردها الذكريات، وتلعب بها الأيام!‏

ورغم كل هذه المنغصات، نريد أن نفرح بالعيد، وبمشاعره التي لا نريدها أن تموت، ‏أو على الأقل أن تُصيبها حمم زمن القتل والكراهية، أو زمن الحضارة الدموية!‏

العيد هو الفرح، والسلام والمحبة والتسامح والتكاتف والتعاطف، هذه هي بعض معاني ‏العيد الجميلة والممتعة والمميزة في الحالة الطبيعية، أما في حالتنا العراقية الاستئنائية ‏فإن معاني العيد مختلفة تماماً، لأنها ممزوجة بالدم والإرهاب والخراب والدمار.‏

عذراً يا عراق! ‏

فحالك اليوم مؤلم ومخجل. مؤلم لأنه وصل لمديات لا يمكن تحملها من الضحك على ‏الذقون والعقول، والاستخفاف بالدماء والأرواح.‏

ومخجل لأننا صرنا مجرد ملايين تحوقل، وتحتسب، ولا حول لنا ولا قوة!‏

يا عراقنا الجريح: هذا حالك، يسر الغرباء والأعداء، ويبكي الأحباب والأصدقاء. ‏وحال أهلك في العيد بين التهجير والتخدير والتخذيل والتضييع!‏

في العيد قصف حي العسكري بمدينة الفلوجة المظلومة بالبراميل المتفجرة مما خلف ‏مجزرة مروعة، أغتالت عيد العوائل المتواجدة هناك، ونتج عنها استشهاد ستة نساء ‏وطفلين، وإصابة (15) امرأةً وطفلاً.‏

في العيد أغلقت الحكومة جسر بزيبز لليوم الثالث على التوالي، والعراقييون - من ‏أهالي الفلوجة، الفارين من الموت- يفترشون الرمال - تحت درجات حرارة مرتفعة ‏وصلت إلى (54) درجة مئوية - لأنهم ممنوعون من دخول بغداد إلا باحضار كفيل ‏من أهالي بغداد! ‏

في العيد حصدت السيارات الملغمة حياة المئات من المدنيين في بغداد وديالى!‏

في ظل هذه الأتراح والآهات العميقة: كيف يمكننا أن نكتب عن أفراح العيد؟! ‏

ماذا تريدني- يا عراق-  أن أكتب؟!‏

العيد في بلادنا له معاني لا توجد في غالبية بلدان الأرض، وهذه المعاني نُحتت من ‏الحالة الموجودة في عموم وطننا، لكننا رغم هذه الآهات والآلام نريد أن نكتب عن ‏فرحة العيد، لكن كيف نكتب، وماذا نكتب؟!‏

هل نكتب عن السلام، وأهلنا غابت من قواميس حياتهم معاني هذه الكلمة التي اغتيلت ‏في ظلمات الغدر والهوان؟!‏

أم نكتب عن الفرح، وأهلنا نُحرت في صميم نفوسهم معاني السعادة، والتمتع البريء ‏بالحياة ؟!‏

عيد أهلك ياعراق ليس كبقية الناس! عيدهم سيارات مفخخة، وطائرات ترمي حممها ‏على المدنيين العزل، وبراميل متفجرة تنشر الموت مع تكبيرات العيد في الفلوجة ‏الصامدة! ‏

عيد أهلنا سيارات ملغمة تنفجر في الأسواق والطرقات لتحصد الأخضر واليابس.‏

غالبية زعماءك يا وطني صاروا تجاراً في قضيتك، منهم من يثرد بدماء أهله، ومنهم ‏من يتباهى بقصف المدنيين بالمدفعية، ومنهم من تقمص دور المخلص المحب ليتبرع ‏بالدم لجراحاتك يا وطني الجريح!‏

ما أصعب وجعك يا وطني، لأن غالبية أبناءك هم القاتل، وهم المقتول.‏

آهات مُزجت بفرحة العيد، غربة قلبت موازين الحياة، حتى صارت معها الحياة مجرد ‏نمو جسدي، وهرم عمري، وتسقيط لفرض الحياة!‏

هل حياتنا في الغربة تُعد جزءً من الحياة؟ أم هي مزيج بين الحياة والموت؟!‏

في هذه المستنقعات الدموية، والظلمات المتراكمة، والآهات المتلاحقة، تنتظر منا - ‏أيها العراق الحبيب- أن نفرح بالعيد؟!‏

عذراً يا عراق، لا يمكننا أن نرقص على جراحاتك العميقة!‏

عيدنا الحقيقي: حينما تبقى صامداً أمام الرياح العاتية، التي تجوب زواياك من كل ‏الاتجاهات، وعلى مدار الساعات! ‏

عيدنا الحقيقي: حينما تحيا بلا دماء، وبلا إرهاب، وبلا سيارات مفخخة، وبلا براميل ‏متفجرة، وبلا هدير الطائرات وأصوات المدافع!‏

عيدنا الحقيقي: حينما تعود الألفة، والمحبة، والتسامح بين العراقيين، كما كانت! ‏

عيدنا الحقيقي: حينما نتكاتف ثانية للخلاص من الكارهين للعراق، بغض النظر عن ‏دينهم، ومذهبهم، ومنصبهم! ‏

حينها يمكن أن نحتفل معاً بعيد الحب والسلام والمحبة.‏

هي ليست أحلاماً بعيدة المنال لأن الشعوب الأصيلة قادرة على صنع المستحيل. ‏والعراقيون - عرفهم التاريخ- صنّاع للحضارة، ومدارس للحب والعطاء.‏

عذراً يا عراق فهذه هي طاقتنا، وما في اليد حيلة، لكن ليل الظالمين لن يطول!‏

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,953,468

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"